خليل الصفدي
442
أعيان العصر وأعوان النصر
وتفاقم شرّها ، فلا يكاد أحد يقاومها ، فلمّا عرضوه لها قصدته ، فتوجه إليها ، وركب عليها ، فطارت به في الميدان تقدير خمسين ذراعا ، إلى أن قرب من الأفرم فقال له : أطير لها إلى فوق شيء آخر ، فقال : لا ، ثم إن الأفرم أحسن تلقّيه ، وأكرم نزله ، وطلب التوجه إلى القدس ، فرتّب له رواتب في الطرقات فما قبلها ، وأعطاه الأفرم من خزانته ألفي درهم فما قبضها ، وأخذها جماعته ، وزار القدس ، وأظنّه طلب الدخول إلى مصر فما مكّن ، وعاد ودخل البلاد ، وتوجّه صحبة قطليجا نائب غازان إلى جبال كيلان ، لمّا حاربهم غازان بسبب ما طلبه منهم من فتح الطريق إلى بلاده ، وقالوا له : لا سبيل إليه ؛ لأنه يضرّنا فأمسكوه ، وقالوا : أنت تقول إنك مسلم وشيخ من الفقراء ، وتحضر مع هؤلاء أعداء الدين ، وسلقوه في دست ، وألقوه بعد ذلك في طست ، وذلك في سنة سبع وسبعمائة . وكانوا أشكالا غريبة ، ولهم أحوال عجيبة ، تفرّ العقول إذا أقبلوا ، وتتعجب منهم إذا نقّروا وطبّلوا ، تتحرك عليهم تلك الكعاب ، ويهول مرآهم العجوز والكعاب ، قرون من اللبّاد معقّفه ، وشوارب فوق شفاههم موقّفه ، وعلى أكتافهم تلك الجواكين وهيأتهم ، كما يقال : ما تنقطع بالسكاكين ، إذا خطروا صوّتت تلك الأجراس ، وجعلوا ربوع العقول في عداد الأدراس ، قصّهم الناس في الخيال ورقّصوهم ، وبخسوهم ما قصدوا به ونقصوهم ، واشتغل الناس بهم زمانا بعد ذهابهم ، ونظموا فيهم أشعارا لم تكن داخلة في حسابهم . أنشدني من لفظه الشيخ يحيى الخبّاز الحموي « 1 » ، قال : أنشدني من لفظه لنفسه سراج الدين المحّار « 2 » : جتنا عجم من جوّا الرّوم * صور تحيّر فيها الأفكار لهم قرون مثل الثّيران * إبليس يصيح منهم زنهار كلّ واحد لو شارب * طويل ودقنو محلوقه أقوام خوارج غيريّه * مثل البهائم مرزوقه شيء ما نظرناه في الدّنيا * ولا سمعناه في الأخبار ما أنزل اللّه بو من سلطان * ولا رضي عنّو المختار الشّيخ براق إليّ أغواهم * واختار لهم هذا الحلّاس
--> ( 1 ) الشيخ يحيى الخباز الحموي هو : يحيى بن محمد بن زكريا العامري ، المتوفى في سنة 773 ه . ( انظر : الدرر الكامنة : 4 / 426 ) . ( 2 ) أورد له المصنف ترجمة .